ابن عجيبة
479
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أي : يستخبرونك أَ حَقٌّ هُوَ أي : ما تقول من الوعد أو ادعاء النبوة . قيل : قاله حيى بن أخطب لما قدم مكة . قُلْ لهم : إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ أي : العذاب الموعود لحق ، أو ما ادعيته من النبوة لثابت ، والأول أرجح لقوله : وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ : بفائتين العذاب الموعود . وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ بالشرك أو التعدي على الغير ما فِي الْأَرْضِ من خزائنها وأموالها لَافْتَدَتْ بِهِ : لجعلته فدية لها من العذاب ، وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ أي : أخفى رؤساء هؤلاء الكفار الندامة خوف الشماتة والتعيير من سفلتهم ، لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ ، أو جميعهم ، لأنهم بهتوا بما عاينوا ، مما لم يحتسبوا من فظاعة الأمر وهوله ، فلم يقدروا أن ينطقوا ، وقيل أظهروها ، من قولهم : أسر الشيء : أظهره ، ومنه : أسارير الوجه ، وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ، ليس تكرارا ؛ لأن الأول قضاء بين الأنبياء ومكذبيهم ، والثاني في جزاء المشركين على شركهم . قاله البيضاوي . الإشارة : كثير من الناس من يستخبر عن شيخ التربية ، أحق وجوده أم لا ؟ قل : إي وربى إنه لحق ، ولا يخلو منه زمان ، إذ القطب والعدد الذي يقوم الوجود بهم لا ينقطع ، والقطبانية لا تدرك من غير تربية أصلا ، وما أنتم بفائتين عنه إن طلبتموه بصدق الاضطرار . ولو أن لكل نفس ظلمت نفسها - حيث بقيت بعيبها وغم حجابها حتى لقيت مولاها - ما في الأرض جميعا لافتدت به من البعد وغم الحجاب ، وفوات القرب من الأحباب ، وقد قضى بين الخلائق بالحق ، فارتفع المقربون الذين لقوا اللّه بقلب سليم ، وانحط الغافلون ، الذين لقوا اللّه بقلب سقيم ، وندموا على ترك صحبة من يخلصهم من عيبهم ، فإن كانت لهم رئاسة علم أو صلاح أضمروا ذلك عمن قلدهم ، وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً . ولذلك قال : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 55 إلى 56 ] أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 55 ) هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 56 ) يقول الحق جل جلاله : أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خلقا وملكا وعبيدا ، يتصرف فيهم تصرف المالك في ملكه ، فلا يتطرقه ظلم ولا جور . ويحتمل أن يكون تقريرا لقدرته على الإثابة والعقاب ، أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ أي : ما وعد به من الثواب والعقاب ، لا خلف فيه ، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ لقصور